تقلب قناعتى عن المضاربة ما بين الرغبة فى الربح والالتزام الاخلاقى

كانت اول مرة اسمع بها عن البورصة وانا فى العاشرة عندما قال ابى فى احد احاديثه الاسرية المسائية ان البورصة حرام لأنها قمار... وترسب عندى هذا الانطباع السلبى عنها، ثم بالطبع نسيتها تماما لكون امرها لم يكن ليعنينى بأى حال من الاحوال

وكنت عندما انظر الى صفحة البورصة بالجرائد والتى تحتوى على جدول اسعار الاسهم والسندات، كنت أعرف اننى انظر الى عالم معزول مقتصر على أهله

فى عام 2005 كانت البورصة فى السعودية - حيث كنت أعمل - فى اوج صعودها وشاعت صناديق الاستثمار، حيث وضعت فيها نحو عشرين الف ريال... وكانت الاسعار صاعدة جيدا لدرجة اننى ربحت خمسة فى المائة فى أقل من شهر... فى نفس الوقت كان هناك الكثير من الافراد الذين يضاربون فى الاسهم بأنفسهم بشكل مباشر، ومع استمرار صعود البورصة المطرد كان الجميع رابح وسعيد... فى تلك الاثناء بدأت اقرأ عن هذا العالم بشكل متخصص أفضل، كما أعملت عقلى وتأملاتى فيما يحدث... 

وأدركت ما هو معروف اصلا لمن يعملون فى هذا المجال، من ان الربح يتحقق فى حالتين الاولى وهى الحالة العارمة والتى يحصل فيها استمرار تدفق الاموال الى البورصة بمعنى استمرار زيادة الطلب عن العرض، وبالتالى تستمر اسعار الاسهم فى الارتفاع وبالتالى حصول الربح للجميع، ولكن هذه الحالة الصاعدة هى حالة مؤقتة او دورية ويعقبها اما حالة استقرار او احوال هبوط 
وعموما فإن الوضع الطبيعى اوالمنطقى - فى غياب الاسباب الموضوعية المؤثرة - هو حالة من الاستقرار بمعنى تذبذب اسعار الاسعار ارتفاعا وهبوطا بشكل طفيف، وتحقيق الربح يكون من خسارة الاخرين وليس له مصدر اخر... بل إن الربح المتحقق للجميع السعيد فى احوال الصعود الجماعية، هى ارباح على حساب خسارة مؤجلة سيتكبدها من سيضطرون لبيع اسهمهم عند انحسار موجة الارتفاع وبدء تراجع الاسعار

انظر الى تغير اسعار الاسهم فى مدى دورات كاملة وستفهم كيف تعمل المضاربة: اذا اخذنا درورة كاملة لسهم ما، بمعنى الفترة ما بين كون السهم عند سعر معين ثم حصول تغيرات على هذا السعر سواء الهبوط المعقوب بالإرتفاع، او الارتفاع المعقوب بالهبوط، حتى عودته الى السعر الذى كان عليه عند بدء الدورة 
لو حسبت مجموع الارباح المتحققة للمضاربين الرابحين من هذا السهم خلال  تلك الدورة، ثم حسبت مجموع الخسارة التى تكبدها المضاربين الخاسرين من نفس السهم خلال نفس الدورة -بعد استبعاد عوائد الشركات وعمولات البورصة والسماسرة- ستجد أن المبلغان متطابقان: يعنى هؤلاء ربحوا من أولئك


هنا ادركت ان المضاربة على الأسهم ليست الا مشاركة فى لعبة قمار، ولكن بغطاء من القانون، بل حتى فى السعودية وغيرها أجاز أهل الفتوى المضاربة، باعتبارها بيع وشراء أحله الله

ولكن عادتى هى أن اكون دائما مستقلا ومدققا فى تكوين آراءى... لذلك ادركت ان اصل الامور هو ان الانسان يجنى المال مقابل تقديم منتج أو خدمة، وليس مقابل لا شئ، مثلما يحدث فى المضاربة

هنا قررت الا استثمر اى مال فى هذا المجال، سواء بالمضاربة المباشرة فى الاسهم، او غير المباشرة عن طريق صناديق الاستثمار. واستعطت فى خلال شهر ان اخرج من البورصة السعودية بسبب قناعتى الجديدة تلك، ولكنى لم استطع الخروج من البورصة المصرية الا فى عام 2006 بسبب وجودى فى السعودية، حيث كان لدى عدد من الاسهم بحوالى عشرة الاف جنيه وصندوقى استثمار بقيمة تعادل خمس او ست اضعاف تلك القيمة: فأبقيت على الاسهم كاستثمار دون مضاربات، وخرجت من صناديق الاستثمار 

واصبحت قناعتى الداخلية هى أن المساهمة فى الشركات بقصد نيل نصيب من ارباح هذه الشركات (والخسار أحيانا) هى الأمر الوحيد الشريف فى المسألة كلها،  وان البورصة هى المكان التى يتم فيه بيع وشراء الاسهم لهذا الغرض 

وبشئ من التأمل فى أصل الامر مع بعض الاطلاع عرفت ان بدايات المضاربة هى المصادفة البحتة، فى ظروف موضوعية، لا تهدف للمضاربة ابدا، كأن تتعثر شركة من الشركات او ان ينتاب القلق بعض المساهمين على احوال الشركة فيقررون بيع الاسهم بقيم اقل من قيمتها الحقيقية على طريقة خسارة قليلة افضل من خسارة كبيرة، بينما من وجهة نظر المشترى يكون العرض مغريا اما لانه يختلف فى الرأى فى تقدير ما يحصل للشركة، وإما -وهذا الاغلب- لانه يتوقع -أو يتوسم- ارتفاعا سيحصل على سعر السهم

وربما حصلت أحوال من تكرار البيع والشراء فى اوقات قصيرة سببت ربحا غير مسبوق للبعض، مما لفت الانتباه الى ممارسة جديدة لم تكن مدرجة فى اصل الامر، الا وهى التركيز على شراء الاسهم وهى منحفضة نسبيا لتحقيق ربح سريع من بيعها بعد وقت قصير بمجرد أن يبدأ سعرها فى الصعود، وذلك بدل التركيز على الهدف الاصلى وهو الاحتفاظ بها للحصول على ارباح الشركات.

فى ظل قيم الاقتصاد الحر لا يمكن وضع اى قيد على عمليات البيع والشراء هذه

أمثال تلك الممارسات تحصل خارج البورصة ايضا فى مجموعة من السلع تبدأ بالحبوب والتقاوى فى اسواق الفلاحين، مرورا بالسيارات والعقارات وانتهاء بالبترول والعملات والمعادن النفيسة والغلال الدولية

فى بعض الاحوال يكون وضع المال فى فى شئ او سلعة املا فى ارتفاع السعر فيما بعد، امرا لا غبار عليه ولا يمس الشرف فى شئ، حيث ان الهدف هو الحفاظ على قيمة المال: كمن يشترى بيتا أو أرضا الان ثم يبيعه بعذ عشرة سنوات مثلا، ولكن اذا كان الامر مضاربة بمعنى ان الهدف هو الشطارة فى الشراء والشطارة فى البيع السريع فهذا يعنى انك حققت جزءا من ربحك ممن تشطرت عليه وانت تشترى والجزء الاخر ممن تشطرت عليه وانت تبيع، يعنى ان ربحك تحقق من خسارتهما أو احدهما، بينما القيمة الموضوعية للسلعة ثابته، حتى لو كان الذى يساعدك على الربح هو قواعد مقبولة مثل سوق العرض والطلب.. 
فى الحالة الاولى ارتفاع القيمة الموضوعية للعقار هو  سبب الربح 

إن فكرة الحصول على مال من نشاط لا يؤدى الى إنتاح – سلعة او خدمة - هو أمر غير مشرف فى رأيى

عند هذا الحد أصبح قرارى: ان اشترك فى البورصة كمساهم راغب فى الحصول على ارباح من الشركات فقط دون مضاربة 

وفى سبتمبر 2008 تعرضت لأمتحان لمبادئى عندما كنت فى القاهرة وكانت قضية مقتل سوزان تميم فى اوجها وتبعها هبوط حاد فى اسهم طلعت مصطفى وادركت انها فرصة ذهبية لمن لديه البصيرة ليعرف ان هذه الاسهم سوف تعاود الارتفاع بشكل كبير قد يصل الى ثلاثة اضعاف، لان سبب الهبوط عاطفى من جهة ومن جهة اخرى لأن شركة كبيرة كهذه لن تسمج لمشاريعها بالفشل.. ومع ذلك لم ارضخ لاغراء الشراء، وفضلت الالتزام بالمبدأ

وأخيرا عقب ثورة 25 يناير 2011 ومع الهبوط الملحوظ فى قيمة الاسهم عموما تنبهت الى انها هى القيمة المناسبة لمن يرغب فى الشراء بهدف الاستثمار، وبدأت بشراء كمية من الاسهم 

ومع بداية معاودة الاسعار للارتفاع التدريجى تعرضت مؤقتا لإغراء الربح السريع، والتحول عن قناعتى بشأن البورصة، بفكرة: انه اذا كانت المضاربة نوعا من المقامرة والربح من خسارة الاخرين، فلا غبار عليها طالما ان الطرف الاخر (الخاسر) يعرف ذلك وموافق على قواعد اللعبة خاصة وانه ايضا حريص على خسارتى كما انا حريص على خسارته

ثم اخذت الفكرة تتزين بشكل اقوى: لم لا انظر الى الامر بطريقة مختلفة عن كونها مقامرة؟ لم لا انظر الي مجموع المضاربين كأناس محترمين يزالون انشطتهم باحترام ونزاهة فى سوق يحكمه العرض والطلب وحسب، دون تحميل الامور اخلاقيا فوق ما تحتمل 
أعجبنى هذا التناول نحو اسبوعين، ولكن كنت دأئما اشعر فى قرارة نفسى ان هناك شيئا لا أرتاح إليه

واخيرا عرفت سبب عدم ارتياحى للمضاربة: وهو أنه لا يصح الا الصحيح: انك تحصل على المال من لا انتاج وتربح من خسارة غيرك 

وتبين لى أن المضاربة هى الاسم المقبول اجتماعيا  لعمليات قمار اصيلة  

وفكرة تبرئة المضاربة بالقول: بأننى كنت أحمل الامور أخلاقيا فوق ما تحتمل بما ليس فيها، كانت مجرد خداع للذات

لأن الوصمة غير الاخلاقية أصيلة ومتغلغلة فى منظومة المضاربة حتى النخاع

فرجعت لمبدأى مرة اخرى، وعرفت ان على ان اخرج من عالم المضاربة هذا... وان اتشبث بالمبدأ الخالد: لا جنى للمال دون تقديم منتج او خدمة 

استلزم ذلك ايضا ان اخرج من صناديق الاستثمار التى اشتركت بها خلال هذين الاسبوعين والتى وضعت فيها مبلغا كبيرا، لانها أيضا تربح من المضاربة... لكن اسعار وثائق الاستثمار كانت قد بدأت فى التذبذب،  فكان على ان انتظر لبعض الوقت قبل الخروج من تلك الصناديق دون خسارة، بينما ابقيت على الاسهم بهدف الاستثمار دون مضاربة

وبناء عليه بدأت فى التفكير فى توسيع محفطة أسهم الاستثمار

قررت استثمار مبلغا آخر يعادل ثمن شراء سيارة جديدة، أملا فى الحصول على ربح فى حدود 9% - 16% سنويا - يقل او يزيد - ولكنه فى معظم الاحوال حوالى ضعف ونصف ما تحصل عليه من الاسثمار التقليدى فى البنوك... ثم ان شعورك باحتمال تعرضك للخسارة او الربح القليل أو الكثير فى سنة ما، يعطيك نوعا من الشعور من القوة، لادراكك تحررك من الفزع الشديد من الخسارة، لأن سنة تخسر لن تتبعها غالبا سنة اخرى تخسر، وان حصل فسيكون فى شركة او اثنين او ثلاثة، وليس فى جميع الشركات، وفى الجملة فان المحصلة العامة لأداء مجموع الشركات هى الربح، والمحصلة العامة أيضا هى أن هذا الربح افضل من الاستثمار المتدنى فى البنوك


كان لابد من حسن اختيار الشركات طبقا للآتى

 ان يتم توزيع المال على عدد لا بأس به من الشركات والقطاعات حتى نقلل المغامرة

 أن تكون شركات وطنية وعريقة قدر المستطاع

 أن تكون الشركات تعمل فى الانشطة الاساسية الهامة، التى لا يتأثر انتاجها بالظروف السياسية ولا بغيرها

 ان تكون شركات تسجل أرباحا مستقرة على مدى السنوات وبقيم جيدة

 ان تكون الشركات اكثر عدالة نسبيا فى توزيع الارباح ما بين متطلباتها وحقوق المساهمين

 ان يكون نطاق استثمارات الشركة هو نشاطها الاساسى المعلن فى الاغلب، وألا تكون مستثمرة لاموالها فى شركات اخرى لا نعرف عنها شيئا، او كأن تقوم بالمضاربة بجزء من أموالها فى البورصة

أن تكون الشركة محصنة ضد تقلبات سعر السهم، بأن يكون جزء كبير من رأسمالها خارج منظمومة المساهمين

 ألا تكون تعمل فى أى انشطة ضارة أو مخالفة للمبادئى، مثل شركات السجائر والخمور، او شركات المضاربة المالية، أوالبنوك التى تعمل فى المضاربة
ووفقنى الله بعد بحث ودراسة الى التوصل الى نحو اربعين شركة عاملة فى مصر تنطبق عليها الشروط المذكورة ، وساهمت فى 24 شركة منها بالمبلغ المذكور، وعلى الله قصد السبيل